سيد محمد طنطاوي
277
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - * ( واللَّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) * جملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها . أي : واللَّه - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق ، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق ، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء دين اللَّه ، ونصرة شريعته . ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحد فقال : * ( ولِيُمَحِّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) * . وقوله * ( ولِيُمَحِّصَ ) * من المحص بمعنى التنقية والتخليص . يقال : محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث . أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار . وقوله * ( ويَمْحَقَ ) * من المحق وهو محو الشيء والذهاب به ، وأصله نقص الشيء قليلا قليلا حتى يفنى . يقال : محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق ، لآخر الشهر ، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى . والمعنى : ولقد فعل - سبحانه - ما فعل في غزوة أحد ، لكي يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب ، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم ، ولكي يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد ذكر أربع حكم لما حدث للمؤمنين في غزوة أحد وهي : تحقق علم اللَّه - تعالى - وإظهاره للمؤمنين ، وإكرام بعضهم بالشهادة التي توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات ، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين ، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا . ثم بين - سبحانه - أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ، وأن الوصول إلى رضا اللَّه - تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم ، وصبر طويل فقال - تعالى - : * ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) * و * ( أَمْ ) * هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة ، بمعنى بل الانتقالية ، لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم في غزوة أحد من مخالفة بعضهم لأمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفرارهم عنه في ساعة الشدة . والهمزة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد . وقوله * ( أَمْ حَسِبْتُمْ ) * معطوف على جملة * ( ولا تَهِنُوا ) * وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شيء من الضعف ، بين اللَّه لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون ، والأيام دول ، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم ، ثم بين لهم هنا : أن